ابن كثير

135

البداية والنهاية

وضع عنه اللامة واغتسل واستحم ، فتبدى له جبريل عليه السلام فقال : عذيرك من محارب ألا أراك قد وضعت اللامة وما وضعناها بعد ، قال فوثب النبي صلى الله عليه وسلم فزعا فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر إلا في بني قريظة . قال : فلبس الناس السلاح ، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس ، فاختصم الناس عند غروب الشمس ، فقال بعضهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة ، فإنما نحن في عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس علينا إثم ، وصلى طائفة من الناس احتسابا وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس ، فصلوها حين جاؤوا بني قريظة احتسابا فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين ( 1 ) . ثم روى البيهقي من طريق عبد الله العمري ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها فسلم علينا رجل ونحن في البيت ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا وقمت في أثره فإذا بدحية الكلبي ، فقال : هذا جبريل أمرني أن أذهب إلى بني قريظة ، وقال : قد وضعتم السلاح لكنا لم نضع ، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد ، وذلك حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا وقال لأصحابه : عزمت عليكم أن لا تصلوا صلاة العصر ، حتى تأتوا بني قريظة ، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم ، فقالت طائفة من المسلمين : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد أن تدعوا الصلاة فصلوا ، وقالت طائفة : والله إنا لفي عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علينا من إثم ، فصلت طائفة إيمانا واحتسابا ، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ولم يعنف ( 2 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بمجالس بينه وبين بني قريظة ، فقال : هل مر بكم أحد ؟ فقالوا مر علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج ، فقال : ذلك جبريل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ، ويقذف في قلوبهم الرعب فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه أن يستروه بالجحف حتى يسمع كلامهم ، فناداهم يا اخوة القردة والخنازير . فقالوا : يا أبا القاسم لم تكن فحاشا ، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ونساؤهم ( 3 ) . ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها . وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو ؟ بل الاجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف . فقالت طائفة من العلماء : الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بني قريظة هم المصيبون ، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الامر بها في وقتها المقدر لها شرعا . قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة : وعلم الله أنا

--> ( 1 ) دلائل النبوة ج 4 / 7 وأخرجه الشيخان مختصرا والإمام أحمد والحاكم مطولا عن عائشة ومن طريق جابر أخرجه أبو نعيم ، ورواه الطبري من طريق عبد الله بن أبي أوفى . ( 2 ) في الدلائل : ولم يعب . ( 3 ) دلائل النبوة للبيهقي : 4 / 9 وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 34 وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ( 437 ) ونقله الصالحي في السيرة الشامية ( 5 / 9 ) .